ابو بكر بن طفيل
97
حي بن يقظان
ذلك ، ولا يحتمل المزيد عليه ، فلكل عمل رجال ، وكل ميسر لما خلق له « سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » « 1 » . فحثهم على التمسك بهذا الظاهر فانصرف إلى سلامان وأصحابه ؛ فاعتذر عما تكلم به معهم ، وتبرأ إليهم منه ؛ واعلمهم انه قد رأى مثل رأيهم ، واهتدى بمثل هديهم ؛ وأوصاهم بملازمة ما هم عليه من التزام حدود الشرع والاعمال الظاهرة ، وقلة الخوض فيما لا يعنيهم ، والايمان بالمتشابهات والتسليم لها ، والاعراض عن البدع والأهواء ، والاقتداء بالسلف الصالح ، والترك لمحدثات الأمور . وامرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام من اهمال الشريعة والاقبال على الدنيا ، وحذرهم عنه غاية التحذير ؛ وعلم هو وصاحبه آسال ان هذه الطائفة المريدة القاصرة ، لا نجاة لها الا بهذا الطريق ؛ وانها ان رفعت عنه إلى يفاع الاستبصار اختلّ ما هي عليه ، ولم يمكنها ان تلحق بدرجة السعداء ، وتذبذبت وانتكست وساءت عاقبتها . وان هي دامت على ما هي عليه حتى يوافيها اليقين ، فازت بالأمن ، وكانت من أصحاب اليمين . واما « السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » « 2 » . فودعاهم وانفصلا عنهم ، وتلطفا في العود إلى جزيرتهما ، حتى يسر اللّه ، عز وجل ، عليهما العبور إليها . وطلب حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولا ، حتى عاد اليه . واقتدى به آسال حتى قرب منه أو كاد . وعبدا اللّه بتلك الجزيرة حتى اتاهما اليقين . خاتمة الرسالة هذا - أيدنا اللّه وإياك بروح منه - ما كان من نبأ حي بن يقظان وآسال وسلامان ؛ وقد اشتمل على حظ من الكلام لا يوجد في كتاب ؛ ولا يسمع في معتاد خطاب ، وهو من العلم المكنون الذي لا يقبله الا أهل المعرفة بالله ، ولا يجهله الا أهل الغرة بالله . وقد خالفنا فيه طريق السلف الصالح في الضنانة به والشح عليه . الا ان الذي
--> ( 1 ) قرآن كريم 48 / 23 ( 2 ) قرآن كريم 56 / 10 - 11